Thursday, 15 June 2017

غرق




أغمضت عينيها في محاولة يائسة منها أن لا ترى شيئا..
حاولت أن تملأ سمعها بصدى أغاني تحبها..راحت تنقل حواسها الواحدة تلو الأخرى- كما تدربت كثيرا- إلى أماكن بعيدة أكثر قربا و دفئا من  هنا..شاطئ بحر تعشقه في صباح بارد و شتاء عائد بعد انتظار..صوت ضحكات تعلو فوق نداءات النورس العالية للغائبين بأن يعودوا..قرار ثنائي مفاجئ بإلقاء الأحذية و الجوارب جانبا للاستمتاع ببرودة  الرمال الخشنة بين أصابع الأقدام الناعمة..الدافئة! أسرار و أحلام تتناثر ما بين الضحكات المتطايرة فتمزجها الرياح معا ليصل مداها جميعا للسماء المتعطشة للأمنيات.. قطرات المطر الأولى التي لا تعنى لفتاتين في مقتبل الفرحة سوى أن كل الأحلام ممكنة التحقيق ..فتتبادلان نظرة بعينها.. و تهمسان معا "ادعي!" فتسر كل منهما بدعوتها في أذن السماء همسا صامتا و كأن الأخرى لا تعرفها !بم كانت تهمس ؟!......"انتي نمتي؟!"كان هذا همس آخر من مكان آخر..همس رجولي مستنكر متلاحق الأنفاس..هزت رأسها إنكارا و استنكارا.. حاولت أن تأخذ نفسا عميقا منعها منه شعور بالألم راح يجتاح أماكن متفرقة من جسدها..حاولت أن تدفع الألم بعيدا عنها فكبّل يديها بقبضته و تركهما فوق رأسها عاجزتين! أغمضت عينيها وعادت إلى البحر... وحدها تلك المرة..اقتربت بخطواتها العارية من حافة الأمواج المتكسرة ..لامستها فشعرت بجسدها ينتفض سقيعا و بردا..حاولت أن تتراجع للوراء فارتطمت بالفراش الأكثر برودة..شعرت بالبحر يجذبها لأعماقه عنفا و قهرا..يريها وجها آخر من المستحيل أن تحبه..لطمتها الموجة الأولى بقسوة لا تستحقها فشعرت بعالمها يتهاوى كما يحدث كل مرة..حاولت أن تتعلق بأي شيء استعدادا للموجة التالية فلم تجد سواه! اعتصرت قبضتها المبللة عرقا و غرقا . لطمتها الموجة الثانية فشعرت بذرات جسدها تئن ألما حارقا..أغمضت عينيها أكثر علها لا ترى و لا تسمع و لا تتنفس ..باتت اللطمات متتالية متسارعة وأغرق الماء البارد كل شئ..أغرق الأحلام و الأسرار و السماء..أغرق الأغاني و الأماني و الضحكات..أغرق النوارس بعد أن أدركت  أن الغائبين لا يعودون و الذاهبين لا يرجعون فكفّوا عن النداء..أغرق الرمال و ترك ما تبقى منها وحلا يلتصق بكل شيء..أغرق حتى شعور الخوف من الموت يأسا أو غرقا ..ثم ساد هدوء مفاجئ! انتهى كل شيء و توقفت كل الأصوات و كف الهواء عن الحركة حتى داخل صدرها..حاولت أن تحرك أطرافها فلم تستطع..فتحت عينيها فلم ترى سوى نفس الظلام الموجود خلف الأجفان المغلقة..حاولت أن تستمع لدقات قلبها فلم تجدها و لم تجده حيث كان.......
كان الإثبات الوحيد أنها ما زالت على قيد الحياه هو صوت الأنفاس المنتظمة التي راحت تهدأ و تتثاقل و تعلو بجوارها..و دمعة ساخنة وحيدة تنساب ببطء قاتل فوق خدها حتى تصل الى شفتيها فتتوقف هناك و تبرد هي الأخرى في انتظار أن تتلاشى!

Thursday, 2 April 2015

ازالة

 و أخيراً جاء الخميس! 
زفرت بارتياح و هي تسرع الخطى في اتجاه المحطة..تسارعت دقات قلبها في لهفة وترقب لم يخفتا بمرور الأسابيع و الشهور..بالرغم من أنها على يقين أن الاعتياد يقتل اللهفة ضمن ما يقتل..الا أنها منذ اكتشافها الطريق إلى عم "محمد" اعتادت تلك اللهفة..كما اعتادت ابتسامته التي لم ينقص من جمالها وطيبتها سن ناقص و اعوجاج واضح في الأسنان الباقية..ابتسامته تنجح دائما في استحضار ابتسامة من يلتقي بصديق قديم..تبحث عنده كل مرة عن صديق نهاية الاسبوع الجديد!
تلمع عيناها وهي تمر سريعا فوق صفوف الكتب المرصوصة فوق الحامل الخشبي تستمع بألوانها المتناغمة و المتنافرة على السواء..ثم تتأنى لتبدأ رحلتها مع العناوين..و في الخلفية يأتي صوته ملخصاً لما تحتويه بعض الكتب التي تتوقف عندها أكثر من غيرها..تكاد تلتفت اليه بالسؤال الذي يلح عليها كل مرة..هل قرأها كلها؟!..و حين يقع اختيارها أخيراً على احداها بمساعدته..تلتفت إليه وقد اتسعت ابتسامتها.."على ضمانتك"..فتتسع ابتسامته الأكثر كرماً.."لو معجبكيش رجعيه"..و الحقيقة انها كانت دائماً ما تعود لتحمل صديقاً جديداً دون أن تعيد أياً من الأصدقاء القدامى!
تحركت شفتاها تلقائياً استعداداً للإبتسامة المعتادة و هي تخطو فوق رصيف المحطة في اتجاهه..,و لكنها لم تكتمل ..لأنه لم يكن هناك! وجدت حامله الخشبي محطما فوق الرصيف ...وبعض أوراق اقتلعت من قلب حكايات باتت ناقصة..تدورحائرة فوق الرصيف بحثاً عن ذويها.. رفعت عيناها لتواجه  وجوها اعتادت القهر و الفقر حد الادمان.. فتركا حول العيون تجاعيداً لا علاقة لها بالسنين الراكضة خلف السراب..و داخلها لامبالاة تحول بينها و بين  قراءة ما في القلوب دون الحاجة لأن تبوح به الشفاة المطبقة ..وفوق الجباه عبوس بات ملمحاً أصيلاً تراه في كل الشوارع و الأزقة و البيوت!
أين ذهب؟!..سألت أحدهم و هي تشير إلى الحطام و الأوراق..فأشار بعينيه سريعا للاتجاه المعاكس دون أن يحرك أي ملمح من ملامح وجهه تعبيراً عن أي شئ!
سارت في الاتجاه المعاكس وسط نظرات التحذير و الدهشة الصامتة..مزيج من اللونين الأسود و الكاكي..و وجوه مغطاة بالأسود لا تبدو منها سوى عيون غاضبة لسبب غير معروف..و بنادق مشهرة في وجه "عم محمد"!! كان جالساً فوق الرصيف واضعا وجهه بين كفيه, بجوار السيارة التي تحمل كتبه الممزقة وسط صناديق حلوى مفتوحة و بضائع أخرى متناثرة رحل أصحابها يأساً أو خوفاً!
نادته فالتفتت اليها العيون الغاضبة و قد ازدادت غضباً..رفع رأسه اليها فرأت عينيه وقد امتلأتا بدموع القهر و قلة الحيلة..حاولت أن تقترب منه..فحالوا بينهما..حاولوا صرفه لكنه رفض أن يترك كتبه..فوضعوه معها ساخطين على روح سيضطرون لإطعامها بعد حبسها!!

سارت دون هدى..تتراقص أضواء المحلات و المقاهي الفاخرة - المكتظة ببشر يدعون كغيرهم اللامبالاة- خلف دمعتين معلقتين رفضتا النزول..أبواق عالية لا تليق بسيارات فارهة يسخط سائقوها الجالسون في التكييف خلف الزجاج اللامع على بشر يحاولون شق طريقهم بصعوبة وسط زحام لا ينتهي..حاول أحدهم أن ينظر لأحد السائقين معاتباً أو متذمرأ أو حتى غاضباً..فلم يرى سوى انعكاس وجهه العابس في الزجاج اللامع.فأسرع الخطى هرباً منه و هو يتمتم.."ملعون أبو دي بلد" !

Saturday, 17 May 2014

حنين







جلست أمام حاسوبها الشخصي و فتحت ملف الموسيقى..ترددت قليلا امام "كونشرتو ارانخويز" بجيتاره القادر على استحضار الذكريات البعيدة المنسية..ثم اختارت موسيقي " المولوية"..انبعث أنين الناي الشبيه لحد كبير بأنين إنسانٍ وحيد. حنيناً إلى مكانه القديم في عالم الأزل..فتحت صفحة "وردز"في محاولة منها لممارسة فعل الكتابة الذي تفتقده..بدأت السرد بضميرٍ للمتكلم ثم عادت و مسحته... استبدلته بضميرٍ للغائب فغابت معه الكلمات التي ظنّت انها مخبأة في مكان ما بداخلها في انتظار الخروج للنور..أغلقت الحاسوب و فتحت كتاباً لتقرأه..

"مع الزمن..يتحول الألمُ إلى حزن..و يتحول الحزنُ إلى صمت.. و يتحول الصمتُ إلى وحدةٍ شاسعةٍ كالمحيطات المظلمة.."
قرأت الجملة الأخيرة بصوتٍ مسموع..ثم قرأتها ثانيةً.. تعيد اكتشاف الكلمات..تتوقف عند المسافات بين الحال و الحال, و كأنها تعطي للزمن زمناً كافيًا  تعرف أنه يمتلكه بالفعل..لم تستطع مواصلة القراءة..فوقع الكلمات سقط حجرًا ثقيلًا في المساقة ما بين القلب و الرئتين..و صداها راح  يتردد في الحجرة الصامتة  لزمنٍ طويل!



راحت تقلب في الفضائيات بحثاً عن فيلمٍ قديم لم تفسده الألوان..ابتسمت حين وجدت مسلسل "الشهد و الدموع" على احدى القنوات المجهولة..هذا أفضل! فقد ضمنت ساعة من المتعة اليومية لأسابيع قادمة..تاهت في التفاصيل الصغيرة كعادتها..الملابس و الشوارع و لغة الحوار و أخلاق بشرٍ بقت حيث كانت.. شعرت بحنين غريب لزمنٍ لم تعشه!




قادت سيارتها في زحامٍ لا ينتهي..تزعجها –مؤخرا- الأضواء الحمراء بشدة..أزاحت عينيها عن الطريق ناحية اليسار فرأت لافتاتٍ و صورًا للسيسي وقد ألقى الشباب على بعضها طلاءًا أحمر انساب حول فمه لزجًا قبل أن يجف.. فبدا كمصاصٍ للدماء....أشاحت بوجهها ناحية اليمين ..ففوجئت أنها تسير بمحازاة البحر! كيف لم تسمع أمواجه و هي تناديها كما اعتادت؟! ربما الضوضاء هي السبب..كيف لم تتخلل رائحته روحها؟!  كيف لم يجذبها اليه اشتياقاً..فتندفع نحوه حنينًا؟! ...فكرت أن توقف السيارة و تقترب من البحر–بحكم العادة القديمة- لتقف على صخرةٍ ما لتبوح له بحلمٍ قديم أو بسرٍ جديد ...استمرت في طريقها بعد أن أدركت انه لم يعد لديها أيا منهما!








Thursday, 21 March 2013

في انتظار ما لا يجيء




إلى كل أم أعطت و ضحت..إلى كل أم تنتظر  ابناً غائباً, أو حاضراً غائباً..إلى كل أم  لم تعد تنتظر شهيداً و تفتقد أيام انتظاره!



تركت جسدها -الذي أنهكه المرض-ممدداً فوق طاولة العمليات الباردة..و جالت بعينيها في الغرفة المخيفة..أغمضت عينيها..
غرفة مشابهة  في زمنٍ بعيد..طاولة عملياتٍ دافئةٍ..أو ربما جسدها المتصببُ عرقاً أقرضها بعضاً من لهفته للدفء القادم بعد طول انتظار..موجةُ ألمٍ -لم تعرف لها شبيهاً في عمرها الخالي من الهموم -تجتاح جسدها فتشطره شطرين..ثم تنحصر فتعيده كاملاً مفككاً ,استعداداً للموجة التالية..تتلاحق أنفاسها القصيرة لتكتم صرخاتٍ تأبى أن تصل إلى من يسكن أحشائها -و يحاول جاهداً أن يغادرها- فتخيفه..تستقبل الموجة الأخيرة بشوقٍ جارف..و حين تمر أخيراً..تضيعُ تنهيدتها الخافتة في صوت البكاء المحبب..تختلط دموع الفرحةِ بدموع الألم حين تستقبله هشاً مذعوراً بين ذراعيها ,فتضمه برفق و تستنشق رائحته المميزة للمرة الأولي..فيهدأ كل شيء!

فتحت عينيها..طاولةُ أدواتٍ مغطاةٌ بملائةٍ شاحبةِ البياض تراصت فوقها ألاتٌ معدنيةٌ لامعة..أغمضت عينيها..
مطبخها الدافيء في صباح بعيد تتخلله شعاعات الشمس المتسللة من النافذة المشرعة..ملعقتها وشوكتها الخشبيتان في مبارزة ضاحكة مع صغيرها تنتهي بقبلة كبيرة فوق أنفه المغطى بذرات الدقيق المبعثرة في كل مكان..سعادةٌ خالصة تمتزج برائحة القهوة و الفطائر الساخنة!

فتحت عينيها..شاشة مراقبة العمليات الحيوية تتصل بجسدها بأسلاكٍ دقيقةٍ,و أرقامٌ لا تفهم معناها تظهر فوق الشاشةِ السوداء..أغمضت عينيها ..
 غرفة المعيشة في ليلةٍ باردة..و شاشة التلفاز تعرض مشاهد توقفت عن متابعتها, تحاول جاهدة أن تتفهم قرار زوجها الحكيم بالسفر و أسبابه المنطقية!

فتحت عينيها..جهاز التخدير بأنابيبه و أجزائه الدقيقة, والرائحة الكريهة المحيطة به..أغمضت عينيها..
العطر الرجولي الهادئ الممتزج بالرائحة المميزة لولدها تملأ أنفها..تأخذ أنفاساً عميقة  حتى تتشبع رئتيها به..و تحاول عبثاً أن تبقيها..علّه يبقى! تحتويها ذراعاه في حضنٍ يفيض اعتذاراً و خجلاّ..فتربِّت على كتفه تفهماً و تشجيعاً..تراقبه يبتعد..و قد انحنت كتفاه تحت ثقل حقائبه..و انحنى رأسه تحت ثقل همومه..تقف في المكان ذاته الذي وقفت فيه منذ أعوام بعيدة توقفت عن عدّها لتودع غائباً آخراختار الرحيل لنفس الأسباب المنطقية!

فتحت عينيها .. لوحة الصور الشعاعية المعلقة على الجدارالمقابل لطاولة العمليات..أغمضت عينيها..
لوحة كبيرة ذات اطارٍ خشبيٍ مزخرف تملأها صور صغيرة متفرقة معلقة على الجدار المقابل لسريرها
 صورة زفافٍ قديمة بلا ألوان..صورة زفافٍ أخرى تنطق ألوانها بفرحة ولدها و عروسه..صورة طفلٍ رضيع يبكي خوفاً من مجهولٍ لا يعرفه!  
صورٌ كثيرة لطفلين يضحكان من القلب فتكاد ضحكاتهما تقفز من فوق الجدار لتملأ بصداها صمت الغرفة القاتل!
صورة عائلية تجلس في منتصفها..و قد احاطت بذراعيها حفيديها..و يقف خلفها ولدها و زوجته.
تقف كل مساء أمام تلك الصورة تحديدا..تُمرر أصابعها المرتعشة فوق وجوهها الصغيرة فتمرر الوجوه الباسمة إليها قليلاً من البهجة..و كثيراً من الدفء... و مزيداً من الوحدة !  

فتحت عينيها..وجوهٌ مخبأة خلف أقنعةٍ زرقاء تحيط بها..تبحث في العيون عن عينين بعينيهما..ولا تجدهما!
صوتٌ يأتي من أحدهم يخبرها أن لا جدوى من الانتظار..لأن رحلته قد أُلغيت في اللحظة الأخيرة..
تشعر بالمخدر البارد يسري أخيراً في عروقها..تثّبت عينيها على دائرة الضوء الساطع - حد الألم _ المتدلية من سقف الغرفة.
لا جدوى من الانتظار؟! لقد أضاعت العمر انتظاراً..تنتظر غائبٍ..ثم تنتظر غائبَين..ثم تنتظر غائبِين.. و حين يطول الانتظار يفقد معناه و يخبو ألمه..و يصبح فقط  نمط حياة.. فاذا كان انتظار الساعات و الأيام ناراً حارقة..فإن انتظار الشهورِ و الأعوامِ جليدٌ يكسو كلَ شيء! يخبو تحرّق الساعات و تحركها في جمود الأعوام و تشابهها..فيصبح العمرُ كلهُ يوماً واحداً طويلاً لا ينتهي إلا بمجيء من لا يجيء.
لا جدوى من الانتظار! تراقصت الأضواء الساطعة خلف دمعتي حسرة تأبيان التحرر من أسرهما
الأصوات من حولها تبتعد تدريجياً..و أصواتٌ مألوفة و ضحكات تتداخل مع صوت احتكاك عجلات الطائرة بممر هبوط..و صوت امرأة في المذياع الداخلي تعلن عن قيام رحلة أخرى..
لا جدوى من الانتظار! أغمضت عينيها على الدمعتين..
الغائبون قد يمرون من هنا..و لكنهم أبداً لا يرجعون!

Friday, 15 March 2013

بعضُ النوارسِ تبقى



خطواته الواسعة السريعة تحمله إلى مكانه الأثير..عقله يحذره و قلبه يعاتبه..فتضطرب خطواته و تتوقف.
انه الوداع الأخير!..هكذا استجداه قلبه, فأذعن عقله صاغراً, و تواصلت خطواته ثقيلة متباطئة.. وصل لكنه لم يجده!!
اللسان الحجري الممتد في قلب البحر, و الذي يتنهي إلى صخرة طفولته و أحلامه.. تحول إلى مطعم فاخر تحُدّه أشجارُ نخيلٍ بائسة اِقتُلعت من أرضها الدافئة لتواجه أمواج البحر الغاضبة..و الرياح المبللة..و بشراً لا يأبهون لوجودها أو لحالها!
اجتاحه الغضب المعتاد..و اندفع داخلاً المطعم ..ماذا تركوا له؟!..سرقوا الحاضر و المستقبل, و لم يكفهم..فسرقوا  الماضي بذكرياته  التي جاء اليوم  خصيصا ليحزمها في حقيبة سفر شبه خاوية ليلوذ بها في برد أيامِ آتية بلا وطن و لا أحلام!ماذا تبقى له في وطنٍ لا يجيد سوى قتل الأحلام الوردية في القلوب الخضراء؟!

سار فوق السجاد الفاخر مشمئزاً..
هنا كان يلعب الكرة حافياً شبه عارِ مع أصدقائه حيناً و مع آخرين لا يعرفهم أحياناً.. و هنا سار منتشياً مع حبيبة العمر الماضي..و هنا أيضاً سار منكسراً بعد أن أدرك أن الحب وحده لا يكفي لتحقيق أحلام العمر القادم..فسقط العمرمنه في هوةِ زمنٍ رماديٍ لا طعم له و لا لون..
وصل لصخرته القديمة.. لا يفصل بينهما  سوى بابٍ زجاجي مغلق لم يستطع فتحه! هنا جلس كثيراً يرسم أحلاماً حدودها السماء و مداها البحر..و هنا جلس وحيداً يتعلم الصيد و الصبر,  يراقب بأسىً الموج المندفع يتحطم على حواف صخرته دون انذارٍ مسبق ليدرك أخيراً أن نهاية كل موجةٍ.. انكسار! 
هنا جلس طويلاً يراقب النوارس الهائمة بلا وطن تدور بلا هوادة.. يأتي بها الشتاء..ويرحل بها الربيع..يراقبها في اعجاب و هي تقترب من الأمواج الثائرة لتقتنص هدفها ثم تظل ثابتة للحظات فوق سطح الماء كأنها تتحداه..أو ربما ترجوه أن تبقى هنا لأنها قد ملّت الرحيل و اشتاقت إلى وطن..ثم في النهاية ترفرف بأجنحتها مضطرة, و تصدرأصواتها الحزينة التي يتردد رجعها اشتياقاً لمن رحلوا..و وداعاً للمزيد من الراحلين!
اليوم جاء هنا, لتودعه هو بلحنٍ خاص به وحده..جاء ليشعر ببرودة الهواء - المشبع بالملح- تخترق حواجز اليأس التي بناها حول نفسه..جاء ليشعر برذاذ الأمواج و الأحلام المتكسرة على وجهه ..و ها هو هنا..يفصل بينه و بين كل هذا بابٌ زجاجيُ بارد!

خطواته الواسعة السريعة تحمله إلى المكان الذي يفر منه الجميع..يغطي وجهه بشاله الفلسطيني الأبيض و الأسود..و يقترب من الاشتباكات و قنابل الغاز المتوالية التي تعبق المكان بدخانها اللعين..يقترب أكثر و هو يذكر نفسه عندما يعود - إن عاد - إلى البحر من جديد..أن يخبر النوارس انها تستطيع البقاء - فقط - إن أرادت!

Friday, 25 January 2013

أزمةُ ايمان



     


 بداية: عندما تتهاوى في هوة فقد الايمان..فتفقد ايمانك بالأشخاص..ثم بالأشياء..ثم بنفسك..فسيأتي يومٌ أسود تفقد فيه ايمانك بالله

أقف تحت الماء الساخن في محاولة للاسترخاء..
الأفكار المتضاربة تتصارع في عقلي فيزداد صداعي..زخات الماء تهوي فوق جسدي كالسياط و فوق رأسي كالمطارق..فيصل الألم حد الانفجار!
أوقف الماء..و أتحدى البرد للحظات
أفرك رأسي بعنف ربما يستطيع السائل الرغوي أن يخترق الجدار المحيط بأفكاري فيطهرها..أو يحررها!
أفرك جسدي كله, فتغطينى الرغوة البيضاء تماماً..هل أستطيع أن أمحو من رأسي أثار أعوام من المتناقضات و الاحباطات و الأخطاء التي تصل حد الخطايا, فينساب كل شيء مع بقايا الأحلام المتّربة إلى قاع البالوعة؟
باتت الأفكار تدور في دوامات تلتهم كل واحدةٍ الأخرى.."حب..خيانة..خيبة..ثورة..أمل..دماء..غضب..يأس..كره..تبلد.."  تباً للصداع اللعين!!
أدرت الصنبور ناحية البارد و فتحته بعنف..و رغم توقع الصدمة..صُدمت و كأنني فوجئت..و رغم استعدادي لاستقبال الألم الا أنني لم أتقبله..فراح جسدي ينتفض اعتراضا دون جدوى..لأنني نسيت في منتصف الألم و البرد  أنني أستطيع أن أعيد الدفء ان أردت..فاشلة!!
ثم بدأ الألم يقل..أم أنني تقبلته؟!..و بدأ البرد يزول..أم أنني تعودته؟!..ثم جاء الخِدر فتوقف كل شيء!

تمضي وسط الأشياء فلا تشعر بك و لا تشعر بها و لا بنفسك وسطها, و كأنك أًصبحت غير مرئي حتى لنفسك..ترى من حولك يبدأون من حيث انتهيت و ينتهون من حيث ابتدأت
يدورون في دوائر لا تنتهي..و انت تقف في المنتصف ترى الجميع يدورون فيصيبك الدوار..فتغمض عينيك لتستريح..و تهمس بلا مبالاة:عادي!

وقفت أمام المرآة أمسح البخار ببطء - بحكم العادة-غير منتظرة أن أرى شيئا..فرأيت أمامي وجه فتاة قديم يهمس .."وحشتيني!"


خاتمة: قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

Thursday, 5 July 2012

ورقة بيضاء

   
أمسكت بالقلم بعد طول فراق..الصفحة البيضاء أمامي تتحداني..عام و نصف من الغياب تفصل بيننا..و سد منيع يقف بيني و بين الكلمات الحلوة الدافئة!
"عطر الأوركيد و الفانيليا و رحيق البرتقال و رائحة القرفة الدافئة"باتت روائح من زمن مضى..لاأشتاق إليها قدر اشتياقي لرائحة الغاز المسيل للدموع و الاطارات المحترقة و رائحة الخل و البصل و الخميرة التي تزكم الأنوف!
"الستائر الملونة و الوسائد المخملية و القهوة الطازجة في الفنجان المزخرف و قطعة الشوكولاتة في الصباحات الغائمة" استبدلتها طواعيةً برمادية الشوارع المتربة و براح الأرصفة التي تتسع للجميع-فقط- إن أرادوا..و الشاى الأسود الثقيل زائد الحلاوة في الكوب البلاستيكي شديد السخونة في ليالي الشتاء قارسة البرودة!
حيرتي الدائمة بين صفاء الأزرق و طيبة الأخضر و دفء البرتقالي و حزن البنفسجي حسمها يقين الخير الأبيض و الشر الأسود و الغضب الأحمر..كم تغيرت!!

تغيرت..و ظلت كل الأشياء من حولي كما كانت..فبت على يقين أن مكاني لم يعد هنا!
أصبحت أكثر حدة و أقل صبراً..أعلى صوتاً و أسرع ضحكاً و بكاءاً على السواء..أصبحت أكثر اندفاعاً و أقل رزانة..أرهف حساً و أكثر قسوة!! صار طريق الأسكندرية-القاهرة الصحراوي..أقرب و أكثر استخداماً من الطريق لبيت أعز صديقاتي!
خسرت صديقة العمر و لم أشعر بفداحة الفقد لأنني ربحت أصدقاء آخرين بلا أسماء!
فقدت اثنين من أسناني الأمامية و شعرت بالضئالة أمام من فقدوا أعينهم.
زاد معجمي من الكلمات البذيئة.و أعدت اكتشاف "نجيب سرور"..صرت أدندن أغاني الألتراس و يغنيها معي ولداي وأنا أطهو لهما الطعام على عجل.
أصبحت أكثر ايماناً بالمستحيل و أقل تقبلاً للواقع..باختصار أصبحت ثائرة!!
أتسائل عن اللحظة الفارقة التي أوصلتني لتلك الحالة من الثورة على كل شيء!
أهي تلك اللحظة التي هتفت فيها للمرة الأولى في حياتي في منتصف الطريق "يسقط يسقط حسني مبارك"فشعرت بجسدي كله يقشعر و ملأت دموع لا أدري سببها عيناي و ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتى حاولت أن أتخلص منها خجلاً فلم أستطع!
أهى تلك اللحظة التي شعرت فيها للمرة الأولى بسخونة  الهواء و صعوبة التنفس بعد اسنشاق غاز أول قنبلة مسيلة للدموع?يليه مباشرة برودة الماء اللاذع على ملابسي الشتوية الثقيلة؟
لا
انها تلك اللحظة تحديداً..ليلة الثامن و العشرين من يناير في شارع القصر العيني
أجلس على الرصيف و قد أنهنكني التعب بعد السير و الركض لساعات..أرحت رأسي على كتف امرأة تجلس بجواري..كنت أنظر شبه مغمضة العينين إلى الواقفين أمامي..فابتسم لي أحدهم متفهماً و مشجعاً..فابتسمت له امتناناً و أغمضت عيني.
في اللحظة التالية سمعت صرخات..و صوت سيارة تقترب مسرعة..ثم صوت ارتطام..ثم ارتطام آخر..ثم آخر
فتحت عيناي و الابتسامة لم تفارقني بعد لأجد على بعد أمتار قليلة مني جسد الفتى المبتسم مطروح أرضاً و قد غطت الدماء ملامح وجهه بالكامل!!
تحسست وجههي و ثيابي لأجد دمائه قد تركت آثارها الدافئة كابتسامته على جسدى و في روحي!!

نظرت للورقة البيضاء أمامي و أنا أسترجع عام و نصف من الهتاف و الركض و البكاء و الضحك..
والأحلام الكبيرة و الانتصارت الصغيرة و الاحباطات التي لا تنتهي
لا أدري كم عام و نصف أخرى سوف تمضي قبل أن أستطيع-ان استطعت- أن أملأ الورقة البيضاء
من جديد بكلماتي الملونة و تفاصيلي التافهة..و أشيائي الخاصة بي وحدي

Wednesday, 23 May 2012

23-5-2012



اليوم يدق المسمار الأخير
في نعش الثورة السلمية البيضاء
رحمة الله على الشهداء

Tuesday, 24 January 2012

بحبك يا مصر 2

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مرد له ومالهم من دونه من والٍ 
 الرعد:11 



إنزل كإنك رايح الجنة
إنزل كإنك طالع الملكوت
إنزل يا مصري إلهي تتهنَّى
الجُبن عمرُه ما زق ساعة موت
المحروسة

Thursday, 19 January 2012

من و حي الكاف..مع الاختلاف




أحبك..و أفتقد بشدة عشقك
أحيا مع كلك..و أهفو إلى بعضك
أرى نورك..و أبحث عن ظلك
أنت هنا..و أنا هنا
و كم تمنيت لو ظللنا  معاً هناك




                                  من وحي  ك خيخة
                    و ك ...........فاتيما
                      و ك......... دودو